am__7445
الجزء الأول قيد التعديل !
هجرتِ البجعةُ البيضاءُ ضفافَ السِّربِ الوادعة، وانسلختْ بجناحيها عن غديرِ الماءِ الصافي الذي طالما ردَّ إليها صورتَها كما خُلقتْ أولَ مرّة؛ طاهرة نقيّةً كدعاء فجر شتويّ . وكانت أصواتُ القطيعِ تناديها من أقاصي الضفاف، غيرَ أنّ شيئًا أشدَّ عتمةً كان يستدرجُها إليه.
هناك، حيثُ يسبحُ البجعُ الأسودُ منفردًا في بركةٍ قانيةٍ ثقيلة، تتماوَجُ مياهُها كأنّ الدمَ فيها ذو رئةٍ يتنفّس، ظلَّ يرقبُ اقترابَها بصمتٍ موحش، ككائنٍ أيقنَ أنّ اللعنةَ كُتبتْ عليه منذ الأزل، بيد أنّه - ولأوّلِ مرّةٍ في تاريخِ ظلمتِه - اشتهى الخلاص.
وكلّما دنَتْ منه خطوةً، تساقطَ عنها البياضُ وذبلتْ من جناحيها خيوطُ الطُّهر؛ لا لأنّ السوادَ غلب، بل لأنّ وعثاءَ التحوّلِ ومرارةَ الارتحالِ قد أوهناها. حتى إذا توغّلتْ في عالمِه المضرّج، تلاشى الحدُّ الفاصلُ بين النجاةِ والهلاك، وتعانقَ ظلّاهما فوق صفحةِ الماء، فاستحالَ انعكاسُهما رماديًّا كئيبًا؛ لا ليلٌ حالكٌ فينقضي، ولا صبحٌ بيّنٌ فيهبُ البصيرة.
ثمّ دنا منها ودنتْ منه، ببطءٍ مهيبٍ يشبهُ الانقيادَ لقدرٍ محتوم، حتى انحنتْ أعناقُهما فوق البركةِ الراعفة، والتقتْ على هيئةِ قلب.
وفي تلك اللحظةِ الفاصلة، اضطربتِ الدماءُ تحتهما وارتجفتِ البركة، و