الفصل الثاني: غُمُوضُ حِكَايَةِ الرَّجُلِ البَعِيد

93 10 33
                                    

في صباح العشرين من كانون الثاني، وعند مدينة مانشستر البريطانية، تلك المدينة الهادئة بعمرانها ومبانيها، تتكئ تلك الشابة اليافعة ذات الثلاثين خريفًا على كرسيها بينما تلف قلمها في الهواء، أمامها طاولتها الخشبية مرصوصٌ عليها الورق الأبيض مع عدة للرسم، تفكر بهدوءٍ وتأمل، حتى نهضت عن مكتبها واستلت ورقة من بين الأوراق كانت تختلف عن الباقي، وظلت تطالع فيها وتفكر، حتى قالت أخيرًا وهي تحسم التفكير: 

-إذا كان الأمر هكذا فلا بد لي من العودة إلى لندن، سحقًا حقًا.. لا أود العودة. 

موَّجت الشابة شعرها البني الناعم ذا الرائحة الزاكية، وحسمت أمرها. 

*********

توقف مايك بسيارته عند الباب الرئيسة لمنزل ديفيد، وضغط على صفارة السيارة قاصدًا إعلام ديفيد أنه قد حضر. فيتنهد قليلًا، ويتفحص الثلج الذي بدأ منذ الفجر بالهطول، ويذكر وهو يبتسم: 

-يومٌ مثلج، لا عجب في ذلك. 

وبينما هو على تلك الحال، إذا به يسمع صوت باب المنزل معه صوت ديفيد يكلم مدير عملهم يعتذر منه عن التخلف عن العمل اليوم: 

-نعم سيدي، أعرف ذلك.. أحتاج في الحقيقة أن أزور صديقًا اليوم.. شكرًا لك سيدي. 

-أنت ديفيد! أسرع فالجو يزداد برودة! 

يدخل ديفيد إلى السيارة، ويسأل مباشرة: 

-إذًا فنحن ذاهبون إلى حي بريكستون في هذا اليوم المثلج، ذكرني مايك لمَ لا نستطيع زيارته خلال الظهيرة أو ما يليها؟ 

شغل مايك السيارة، وأجاب ديفيد قائلًا: 

-جوي يحب مثل هذه الأجواء، وبالنظر إلى احتمالية تحقيقه أحلامه، فلا بد أنه في بريكستون أو ما شابه.. 

 يمسح ديفيد شعره الأدكن بقلق، ثم يبدأ الكلام يقول: 

-كان جوي يهوى ويحلم مذ نعومة أظافره أن يقطن في حي بريكستون الغني بثقافته المتنوعة، حي الفنون الموسيقية.. 

-موسيقية؟ لا أذكر أن جوي كان من هؤلاء. 

-أجل، موسيقية، فضلًا عن شغفه بالنباتات والحكايات الشعبية، كان دائم التكلم عن هذه الأمور معًا! لم يكن يتحدث بموضوعٍ إلا وجلب ذكر الحي وأحلامه هناك. 

-لا أدري عنك ديفيد، لكنني أشعر أن هذا من الأمور الغريبة علي. 

وأكمل الشابان رحلتهما نحو الحي، وكان المسار أطول مما هو عليه في الحسبان، وذلك ما لم يخفَ على ديفيد والذي قال باضطراب: 

-ألا ترى يا مايك أن الموضوع مريب؟ أعني، أحقًا قطعنا قرابة ثلاث ساعاتٍ ذهابًا إلى حي داخل المدينة؟!  

أجاب مايك والذي لم يبدُ مهتمًا: 

-لا يهمني الآن هذا، أين سنجد برأيك جوي؟

«المَجهُول»حيث تعيش القصص. اكتشف الآن