مَركز المُراقبة

124 23 6
                                    


«وأخيرا اِنتهيت! لقد زِدت مساحتها لخمسة أمتار في ستّة.» لهثت فنّ بتعبٍ وبِعينين زائغتين.

«شكرًا لك، والآن انصرفِي» أغلقت جيجي الباب بعد أن سحبت سِل وطَردت فنّ مُتجردةً مِن كل معَاني الاِحترام والتقديرِ.

ثم نظرت إلى بُرجها المهِيب، حَيث تتَطايرُ الجِنيات من حَولها حاملاتٍ الطلباتَ القادمةَ من المكتبةِ، وعلى عكس الماضي، لقد اِزداد عددهُن وأصبحنَ أسرعَ في بلوغِ البرج؛ ذلك لأن فَنّ رَبطت المكتبة بِبرج القلعة قصْد اختصار المسافَة. كُنّ يضعنَ الطلباتِ فوق مسندٍ من خشب السّنديان الذي صنعته فِيليسا قبل أن تذهب في إجازةٍ.

أما سِل فَقامت بتَكريسِ يدَيها لإصلاح ثغرات النظام وتفعيل الخَوارِزمية التي اِقترحتها جِيجي، وهذه الأخيرةُ قد شمّرت على ساعِديْها استعدادًا للعمل، فصارت تَكد في ترتيب الطلبات حتى توقفت فجأةً، تطالع الطلب بين يديها وتتفحصه بدقة، ضيّقت عينيْها وعقدت حاجبيها ونبَست بتعجب:

«أَليسَ طلبًا قد سَبق وصمّمناه في الشّهر الفائت؟ ما الذي أتى به إلى هُنا؟»

«لا أعلم.» 
نطقت سِل دون أن تُبعد عينيها عمّا أمامها، لتذهب جيجي نحو شاشة عرضٍ يستخدمونها للمراقبة، فإذا بها تضغط أزرارًا محددَة بِسرعة دُون النظر لها وها قد أتاها الرد سريعًا.

فما هِي إلا ثوانٍ حَتى ظَهرت فِيليسَا مُمسكةً بثمرة أناناس تتوسطها قَشة مُلتوِيةٌ إلى جانِب مظلةٍ صغيرة وفواكهَ ورقيّة، وَقد زُين ثغرها باِبتسامة مشرقة كشمس الشاطئ الذي تَجلس بين رماله حاليًا، كانت ترتدي قبعةً من القشّ ونظّارةً شمسيةً تفوق حجم وجهِها بِمراحل.

«مرحبًا.» بغُنج متعمَّد نطقت فِيليسا.

لكن جيجي لم تعطِها مجالًا، لأنها وبِغضب قالت: «لا مرحبًا ولا أهلًا وسهلًا، أخبِريني ما الذي أتى بهذا الغلاف إلى هنا؟»

«لا أعلم، اسألي الجنيات هُن المسؤولات عن الطلبات.»

«ظننت أنك أنتِ المسؤولة!»
اِرتَفع صوت جِيجي أكثر، أما فيليسا فقد أجابت بنبرةٍ مُتلاعبة هَدفها الإزعاجُ وحسب:

«أنا في إجازة حسنًا؟ من يصلح هذا الخطأ الآن؟» 
انتفضت جيجي بعصبية، ورددت جملة أم الثعالب بصوت هَزلي.

لتجيب الأخرى باِبتسامة باردةٍ: «أنتِ ناضجة، لذا يمكنكِ تولي الأمر بنفسِك.» ثم أطَالت في اِرتشاف عَصير الأناناس حتّى أصدرت صوت طقطقةٍ يثير الغيضِ في نفس الغاضبة خلف شاشتها.

اِختتمت فيليسا الاتّصال بكلمةٍ إسبانية رجّحت جيجي بِكل نيّة صافيةٍ أنها «وداعًا.» لأن فيليسا -حسب علمِها- لا تملك الجُرأة لشَتمها، وهذا الظن ظَل راسخًا حتى مع ضحكةٍ ساخرةٍ أطلقتها سِل.

البؤساءحيث تعيش القصص. اكتشف الآن