ولادة بؤساء جدد

413 43 66
                                    

الساعة الدائرية تُشِيرُ إلى الثامنة مساءً، وبقلعة أونيرو التي ترفُض أن تذعن لأوامر الهدوء والسكينة، يقبعُ الجنود هنا وهناك حيث يقومون بإنجاز أعمالهم، وتعديل جداول نومهم التي تدمّرت إثر الاستدعاءات المُتكررة.

كانت القاعة الأمامية خالية إلا من دال التي تجلس بهدوء على الأريكة تقرأ كتاب تعاويذ، وجيجي التي ما انفكت تبحثُ عن ورقة قد أوقعتها سابقًا بمكانٍ ما.

سَرق انتباهها صوتُ طرقٍ على الباب ما أثار رعبها، فسكّان هذه القلعة لا يطرقون الباب، إنهم يقتحمون دون إنذار مسبق!

تركت ما كانت تفعلهُ وتوجّهت صوب الباب، فتحت نِصفه تُطلّ برأسها، لتظهر أمامها فتاة غير مألوفة، ترتدي زيًا عريقًا منمقًا مميز لرعاة البقر بالإضافة لقبعة عريضة الحواف، أحذية مسننة عالية الكعب، مسدس كولت محزوم حول خصرها الرشيق وبندقية مربوطة بسرج الجواد الأصيل الذي كانت تمتطيه، ذات شعرٍ قرمزي طويل، ملامح قاسية ونظرة ثاقبة كادت أن تكون مخيفة.

لكن ما لفت انتباه جيجي لم تكن تلك الهالة الغامضة التي تحيط بها بقدر رائحة الأبقار القوية التي تنبعث منها، أطرقت تحدق فيها لثواني ثم هزت رأسها يمنةً وشمالًا، ودون ذرة تفكير قالت تُغلِقُ الباب دون انتظار:«لم نطلب الطعام».

ما جعل الفتاة تشتاط غضبًا، فكيف لها ألا تُفرق بين زعيمة رعاة البقر التي يرتعب الناس بمجرد سماع اسمها، وبين عاملة توصيل الطعام.

ترجلت من جوادها وطرقت الباب من جديد، حين حط أمامها شابٌ ممشوق القامة يرفرف بجناحين هائلين امتزج فيهما السواد والبياض أجمل امتزاج، ذو بشرة بيضاء شاحبة تكاد أن تُطمر خلف عروقٍ سوداء قاتمة غزت وجهه، عيونه الداكنة مرهقة غارقة في بحر من الظلمات.

ضمّ جناحيه كأنه يحتمي بهما، ثم سأل بخفوت عن الذي يحصل، عندما فتحَت جيجي الباب مرة أخرى: «قلت لم نطلب الطعام، هذا العنوان الخاطئ» وصفعته بانزعاجٍ غاضبة من ضياع ورقتها المُهمّة.

جذبت الفتاة مسدسها وكانت على وشك التصويب على القفل، وراح الشاب يلقي تعاويذ مرعبة لاستدعاء حلفائه من العالم الآخر، لولا ذلك الصوت المألوف الذي أوقفهما قبل حدوث ما لا يُحمد عقباه : «توقفي سام، وأنتَ أيضًا ليو»

رَضَخَ الاثنان لأوامر نيكس الصارمة، ودون نقاش تنحوا جانبًا لتظهر من خلفهم، بزيها التقليدي المعتاد تمشي بخطوات هادئة، رغم ملامح الغضب التي اكتسحت وجهها في لمح البصر، وبحركة خاطفة ألقت تعويذة على الباب ففُتح.

انتبهت إل للضجّة التي تصدر من مدخل القَلعة، وعند إدراكها أنه اليوم الموعود، نزلت سريعًا، بعد أن تخاطرت مع باقي الجنود طالبة منهم التجمع أمام البوابة الرئيسية.

البؤساءحيث تعيش القصص. اكتشف الآن