الفصل الحادي والأربعون

48.6K 1.3K 60
                                    

- الدنيا هديت جوا ومحدش بقى سامع لهم صوت.
تفوهت بها سمية وهي تخاطب رقية بترقب، مع إنصاتهم لأصوات الشجار التي تصل إليهم من غرفة خالد ومعه زهرة الاَن، ردت رقية بقلق :
- يعني خلاص اتصالحوا على كدة؟
أجابتها صفية :
- محدش عارف يا ستي، لكن مدام الصوت هدي، يبقى اكيد بيتفاهموا، لكن انتِ ماتعرفين سبب الخناقة إيه بقى؟
ردت رقية بحزن :
- حتى لو عارفة إيه فايدة الكلام، مدام صاحب المشكلة شايف إن معاه الحق، وهو فعلًا معاه الحق، لكنه أكيد مش شايف الصورة كاملة .
ربتت سمية على ركبة رقية بتهوين لتقول وهي ترى حجم الحزن البادي على وجه المرأة العجوز:
- أكيد مهما حصل مابينهم لازم يتصالحوا ويتصافوا، دا الاتنين روحهم في بعض.
تمتمت رقية بالدعاء من قلبها حتى يمر الأمر على خير بين ابنها وحفيدتها حتى رفعت رأسها على قول صفية:
- بس دي أول مرة أشوف فيها خالي خالد بالهيئة الصعبة دي، وفي حياتي كلها ما سمعت زعيقه على زهرة بالشكل ده، عندي إحساس إن الموضوع كبير أوي مابينهم.
أومأت رقية رأسها بأسى، فهي تعلم تمام العلم بصحة ماتقوله صفية لما رأته من غضب واضح على وجه ابنها منذ ايام، وبعد أن ذكر لها عن زيارته لسمسار النحس، وحاول بكل إلحاح بعدها أن يوقعها أو يأخذ منها معلومات، ولكنها كانت تدعي دائما عدم المعرفة، وبداخلها تعلم تمام العلم أنه لا يصدقها، إذن وهو الاَن معها، ماذا أخبرته؟ وكيف كان ردها عليه؟

❈-❈-❈

وفي داخل الغرفة كان الوضع هادئ بينهم بشكل غريب، هو بوقفته مستندًا بظهره على الحائط بجوار النافذة الخشبية، يستمع لها بإنصات وهي تردف وتحكي له عن ماحدث من سرقة أباها لأمواله المرسلة من الخارج، وأبتزازها من قبل فهمي بائع البرشام كي تقبل بالزواج منه حتى يرد لها الأموال التي أخذها من أبيها، ثم لقاءها بهذا السمسار في مكتبه ومحاولاته الدنيئة لاستغلالها والتحرش بها ثم انقاذ جاسر لها برفقة حارسه حتى إغماءتها من مشهد ضرب الحارس لهذا السمسار، وإفاقتها بعد ذلك في منزل جاسر الذي عرض عليها الزواج بعد سداده ألأقساط المتبقية من الشقة.

- بس هو دا كل اللي حصل يا خالي، يعني مستغلنيش لا بالعكس، دا أجبرني بكرمه إني احترمه وافكر في عرضه.
كانت هذه اَخر جملة قالتها وهي تنهض من مقعدها، بلهجة يكتنفها قلقٌ ازداد مع كلمته المقتضبة:
- أجبرك !
قالها وتوجه للنظر من النافذة للخارج، إرتابت هي من كلمته لتُردف دون تفكير على الفور في محاولة للتصحيح :
- مش قصدي غصب، لأ هو يعني زي ما تقول كدة أحرجني بزوقه أو ااا يا خالي إنت ما فاهمني بقى
إلتف إليها عائدًا فجأة مرددًا خلفها :
- فاهمك! تصدقي دا كان اعتقادي فعلًا في السابق يا عيون خالك، لكن دلوقتي أبقى عبيط لو قولت كدة.
هتفت بغصة موجعة من الحزن البادي على صفحة وجهه كصدمة وخيبة أمل فيها:
- ما تقولش كدة يا خالي أبوس إيدك، أنا اياميها كنت متلخبطة والدنيا بتقلب وتحط عليا، جاسر هو اللي خد بإيدي وطمن قلبي من كل خوفي ناحيته، واديك شوفت بنفسك العمايل اللي بيعملها عشاني.
أومأ يمط بشفتيه ليفاجأها بقوله:
- اَه صحيح دا كفاية اللي عمله مع ابوكي، ولا اللي عمله النهاردة كمان عشانك وجعل قصة حبكم ترند ع السوشيال ميديا والعيال المراهقين ياخدوها كنموذج، عن الباشا اللي حب البنت الفقيرة، بصراحة لو قولت في حقه ولو نص كلمة ابقى راجل ناقص، بقى يدفعلي اقساط الشقة وبعدها يبقالي عين اكلمه أساسًا، دي إيه البجاحة دي؟
غامت عيناها بالدموع مع الشحوب الذي غطى وجهها، وقد علمت من خلف سخرية كلماته مرارة ما يكنه الاَن بداخله، فقالت برجاء:
- بلاش دا يبقى تفكيرك فيا يا خالي، دا انا تربيتك، وحافظني زي ما انت حافظ خطوط كف إيدك
- يا شيخة!
قالها وأكمل بحدة:
- يعنى انتِ زعلانة عشان فكرتي اتغيرت عنك، وانا مش حقي أزعل لما غفلتيني وخبيتي عني موضوع الشقة واللي حصل.
توقف قليلًا ثم تابع بلهجة لائمة تنبع من ألمه:
- انتِ خبيتي عشان صعبت عليكِ يا زهرة صح؟ صعب عليكِ خالك اللي راح اتغرب في بلاد الله وساب اتنين ولايا من غيره، بعد ما عدى الستة والتلاتين من غير جواز، ينصدم لما يعرف باللي حصل لما الشقة تروح منه ومعاها حب عمره كمان .
أسبلت بأهدابها وعيناها لا تقوى على مواجهته، لقد كشف بقراءة جيدة منه، كل ما كان يدور برأسها بالفعل، وهذا ما زاد من وجعها عليه، وانشق قلبها أضعاف حينما صدر صوته ببحة خرجت من عمق كرامته المجروحة:
- بس لا يا بنت اختي، مش انا اللي اقبلها ولو على موتي حتى، مش جواز ولا خسارة لحب عمري.
رفعت عيناها إليه بتساؤل لتجده فجأة، تحرك نحو خزانة ملابسه ليعود إليها سريعًا يتناول كفها ويضع بها ورقة كبيرة، من نظرة واحدة علمت ما بها، فهتف بارتياع:
- إيه ده يا خالي؟ انت ازاي تعمل كدة؟
ناظرها يرد بشراسة:
- ليه كنت عايزاني اخد إذن منك الأول؟ ولا فاكراني ما هصدق واعمل نفسي مش واخد بالي، ولا ابوس إيدي بقى وش وضهر على حسنة جاسر باشا عليا وعلى أهلي.
هتفت وصوتها يخرج بانهيار:
- وطب وشقى عمرك في الفلوس اللي سددت نص تمن الشقة بيها، ما صعبش عليك دا كمان؟ وانت بتروح وتسجلها بإسمي
اعتلي ثغره بابتسامة جانبية يقول:
- ما انا خسرت قبلها نص عمري معاكِ، هاتيجي ع الفلوس ياللا بجملت.
هنا إنهيارها وصل لاَخره، فسقطت على الأرض تبكي بحرقة تناديه للتراجع بكلمات غير مترابطة مع شهقاتها
العالية، في مشهد اخترق صدره كنصال حادة تغرز فيه، ولكنه ربط على قلبه مستمرًا على موقفه، وقام بفتح باب غرفته يهتف مناديًا على سمية وابنتها صفية لرؤيتها.

نعيمي وجحيمهاحيث تعيش القصص. اكتشف الآن