٥٧

877 32 2
                                    

«المستـشفى، بعـد المغـرب»
كررت الرمش تستوعب الإضاءة اللي تعدم رؤيتها، تستوعب نفسها ومكانها تصحصح وتعتدّل بجلستها تحسّ الدوخة لكنها تقاوم تشوف إنحاء راسه على سريرها ينهدّ كل حيله، ما تشوف فيه الحيل المعروف فيه وأدركت حالها ترفع نظرها لدخول الوليد بأكياس الجمعية والصيدلية يعصب مباشرة: أنا أول مرة أشوف وحدة عاقلة بالغة فاهمة تهمل صحتها .. ما علينا منك لكن وش ذنب اللي ببطنك؟ وش ذنب أمك أسكتها عند الباب لا تدخل تفضحنا
عاودت التمدد تناظره إلى أن أنهى تذمره يترك الأكياس على الطاولة: كذا يعاملون التعبان؟
هز راسه بالإيجاب بغيض: إذا التعبان ما يفهم كذا نعامله .. عسى يا أم يا عاقلة يا لدن تتركين شيء بالكيس مليان، عسى أسمع ما يعجبني هذا وما أحب هذا
كشّرت من قرّب لها قارورة الموية: شفيك علي إنت؟ ليش تعصب طيب
طقت أعصابه يأشر لها بالسكوت لإنه ما يتحمل الزيادة، لإن خوفه عليها ما كان طبيعي يشهد كامل فقدانها للوعي ومحاولة تطمينه لهم رغم شلّ قلبه لإنهم ما كانوا يحتاجون زيادة قلق ولإنها حامل، لإن حملها صعب وهي تهمل نفسها بشكل هو يعرفه ويحرص دائمًا عليه .. طلّع لها الأدوية يفتح القارورة لها تأخذ الحبوب، تأكل وتأتيها السديم بين الحين والآخر تتطمّن بجنب فيّ بينما جسده على ذات الحركة ما يتحرك ولو بمقدار الإنش، ثابت يُظن للداخيلين إنه نائم لكنها تحسّ صحوته ولإنها تحسّ الموت فيه هي سألت السديم تطمّن قلبه الليّ ما يتطمن: كم باقي على العملية؟
رفعت السديم جوالها تشوف الساعة وميّلت شفايفها لثواني: على العشاء .. إستقرت الأمور الحمد لله لكنه يحتاج وقت
رفعت اللحاف عن جسدها تنوي الوقوف وعاونها الوليد: تصلين
هزت راسها بالإيجاب تفرش لها السديم السجادة وضحكت من مبالغ الإهتمام: ما أنشليت لا تبالغون
أخذ الوليد نفّس يرتاح كل صدره لإن جوّها تغير، لإن هذا طلب دكتورتها لأجل ما تتأثر، ما يتأثر الجنين بأي حال وبمجرد تأكده هو من صحوة مناف وحركته الآن يعدّل أكتافه هو غادر الغرفة، غادر المستشفى بأكمله يقف بالحديقة الخلفية يشوف تساقط قطرات المطر الغزيرة تضرب الأرض ويصدح صوتها يسكّن نفسه ينفث دخّانه ويستمع لفتح الباب الخارجي المخصص للعاملين بالمستشفى وما ثبّت إلا بإحساسه بوقوفها بجنبه: تنفث سمك بمكان علاج المرضى .. أي منطق هذا؟
الوليـد: منطق مرض علاجه هالسمّ
ما ناظرته تثبّت نظرها للأمام يناظرها هو لثواني، يحلّ الصمت لدقايق تردّ هي بعد وقت: ما أكون أنا العلاج؟
شرق بدخّانه يكح الصدمة يناظرها مرة أخرى تبتسم بهدوء، ما تسمع الإجابة وتكتفي بالتأثير تخطي للأمام، تنزل أسفل المطر بعادتها تفرج عن ذراعينها تتنفّس الراحة، تكرر النفس بخفة روحها تسمع نداءه: سـدم
أجابته بينما تعطيه مقفاها: إسمي السديم
إبتسم يطفي سيجارته يُبصر وقوفها أسفل غزير القطرات بأبيض حجابها، لابكوتها ورداءها الطبي وما ملّ الشوف يردّ بعد ثواني: إذا تحسنت الأوضاع وطلع عمي على خير .. تصيرين كلّ علاج
ما ردّت وما ألتفتت تبقى بمكانها تفهم وتعي وتوافق بكلّ روحها، بكلّ صحتها وعقلها لإن بمرور الوقت، بكثير التفكير هي تقبلت صراحة مشاعرها ومرورها بألف تناقض لكن البداية والنهاية وحدة، بداية الإعجاب من كان مسماه "أخ صاحبتها" ونهاية ما توصلت له من شعور بمسمى مختلف وبإنه قريبها وتتصالح كلّها مع فكرة إنها تُعجب به الآن بحاضرها وتترك كل تعقيد بالماضي وتتصالح من إن هالإعجاب ما جاء إلا بعد إظهاره الواضح بكمّ إنه يبيها، بكمّ إنه شاريها يثّمنها تُعجب بنفسه، بشخصه رغم ملاحظاتها لصفات تزعجها فيه لكنها غضّت الطرف تتيقن بإن الأمور بتتيسر، بإن الخيرة أمامها وتدعي بلحظتها برجاء أن يكون بالأمر خيرة ..

عادت خطوته لممر غرفة العمليات بعد صلاة العشاء يُقبض قلبه من عالي الأصوات ما يميز النبرات وما يفهم الأقوال لكنه سارع خطوته يشوف خروج الممرضين خلف بعضهم بإنهلاك عظيم وإنتصار يوضح على ملامحهم يبتسمون رغم كثير التعب والساعات الليّ قضوّها بالداخل من ظهر اليوم إلى عشاءه يتحدث أحدهم: الحمد لله تجاوز الخطر وتمّت العملية على خير، يجهزون جناحه ويخرج إن شاء الله
إرتعش كلّه يقف بمنتصف المكان يشوف فتح البوابة مرة أخرى يخرجون دفعة أخرى من الممرضين يسحبون السرير، يستلقي عليّه ساكن جسده يفزّون كلّهم له، يخطون على خطوة الممرضين كلّهم تشعّ الفرحة ملامحهم بعد طاغي الأحزان وما توقفت خطوتهم إلا لجانب الجناح تأشر لهم الممرضة بالأسف: تتركونه يرتاح للصباح .. يريّح لوحده وتبدأ الزيارة لبكره
هز تركي راسه بالإيجاب مباشرة: زين زين .. كلّ واحد لبيته إنتهى
أخذت ألين نفس من أعماق قلبها تحسّ البراد والمستراح بعد رؤيتها لأبوها، لحاله ووضعه تهدء كل خوف، كل فكرة مميتة وكل خيال قتّال تسكن كلها بهدوء لإن كل شيء رجع طبيعي تعدّل نفسها، تتجّه لسلطان اللي يحاور الدكتور تقف بجنبه وتسمع آخر القول: الله يجزاك خير ما قصرت
وإبتسم الدكتور فقط يغادر يلتفت سلطان لها: شفتيه؟
هزت راسها بالإيجاب: الحمد لله، برجع لأمي
هز راسه فقط ينبه تركي بإنه بيغادر تتجّه هي بجنبه للخارج، للسيارة تجلس بمقعدها ترجّع جسدها للخلف .. بينما بالداخل فُض الجمع تتفق خطوتهم على القصر بينما مناف ما زال على ذات وقوفه مقابل الجناح يجلس على مقاعد الإنتظار ولإنها شافت جلوسه وإنه ما يملك مقدار ذرة النية بالمغادرة هي رفضت المغادرة تبقى بجنبه .. أخذت شماغه وعقاله المرميين بجانب مقاعد إنتظار غرفة العمليات تحملهم بين ذراعينها، تتجّه خطوتها للجناح تشوف جلوسه، إتكاءه براسه على الجدار تقترب تجلس بجنبه ويبقى شماغه بحضنها تسأل: وين كنت؟ من ثلاث أيام
أجابها بعد ثواني: أهرب من فعول جدّك ورجّعني بفعوله .. قوي علي هالعبدالإله
ناظرته لثواني تستغرب: كيف يعني؟
وأجابها للمرة الثانية بلا أي إختصارات والغاز: كلّمني المحامي، ذبحني يقول جدّك كتب وصيته وضاع مني العقل أهج عن دروب الحق، تركت الرياض والديرة والدنيا كلها مدري وين قرّيت لين شاب عقلي رجعت أتفاهم معه لقيته قاضي بالمستشفى يعلّمني صاحبي
توقف كل إستيعابها تلتفت عليه بكل جسدها: كيف يعني كتب وصيته؟ وصية وش!
رفع أكتافه بعدم معرفة يتنهد: ما أقول لك يذبحني؟ يموتني وهو ماهو داري الله يسامحه
لـدن: يعني كان يعرف؟ إن قلبه تعبان أو إنه محدد موعد العملية من زمان؟
منـاف: مختار الموعد هو وعنده العلّم بإنها صعبة ما يضمن عمره .. روّعنا وهذا وهو قدامنا حيّ الله يبارك له
ميّلت شفايفها لثواني تشوف تغيّر مزاجه بشكل مو طبيعي: يعني عادي وما يهمني الوضع وأطقطق! وإنت قبل شوي ميّت عليه عندي .. ما خفت عليه قد ما خفت عليك
رجّع ظهره للخلف ترتخي أكتافه: ما سويت شيء بس إنتي ..
رفعت حاجبها مباشرة تقاطعه: أنا؟
لفّ نظره لها يشوف نظرتها المتهجمة يُجيبه: لدن، قومي معي
وقّفت بجنبه بالفعل ما تستوعب عبطه بهاللحظة، ما تستوعب إنه مناف ذاته الليّ كان من دقايق بسيطة يصارع الموت كلّه، يصارع فقدان نفسه وصحته وعقله يقرب الجنون، يفقد نفسه ويضيع بين أحضانها يبكي تقطّع روحه، يشهق جمرة عذاب تنهش قلبه وقلبها والآن بعد تأكده من صحة جده هو محى كل شيء بلحظة فقط وما ترك لها التفكير الأكثر يقاطعها بنزوله للدرج بجنبها: لا تفكرين
هزت راسها بالإيجاب تنزل بخطوات حذره: أحس كل شيء صار حلم .. ما صار بسرعة طيب بس يخوف، يرعب وبثانية وحدة بعد ساعات إنتظارنا يطلع بصحة
إتجهت خطوته لممر الكفتيريا يردّ: وما يعلم الله بضعفنا عند حياته؟ الحمد لله .. سلّمه وسلّمنا
كررت الحمد تجلس على إحدى الطاولات يتجّه هو للطلب ويعاود بعد دقايق يترك الطلب على الطاولة تنطق هي بما يخالج فكرها هاللحظة: أمس خرج معانا للمول، شرى الدنيا كلها لنا وكل شوي يسأل تبون شيء بخاطركم شيء والليل كلّه قضاه معانا، أول مرة يرجع من المسجد بهالسرعة وأساسًا ما خرج من القصر إلا قبل الإقامة بدقيقة .. ما فكرنا وما دققنا بس الغيد ميتة الحين كيف كانت طريقته بالوداع، كيف إنه كان يودعنا وحنا مو مستوعبين بس الحين، الحمد لله الحمد لله
ما ردّ يناظرها فقط تتكتف أمامه تناظره لإنه ما يردّ وما قاوم نفسه يبتسم لإن طُرقها مستحيله تبتسم هي بالمثل: نراجع دكتورك الحين
هزت راسها بالنفي: كلّمتني وجات تشوفني يكفي
هز راسه بالرفض: وتشوفك مرة ثانية وترجعين معاهم منتي بقاعدة أكثر
تعدّلت بجلستها ترفض مباشرة: أشوف الدكتورة بس بدونك ما راح أرجع، لا تناقشني مستحيل
وبالفعل هو ترك المحاولة يأكل، وتأكل هي ومن أنتهوا كانت خطوتهم لأمام غرفة الدكتورة المسؤولة عن حملها ..

كل الغرام اسمك، كل الصور في ناظري رسمكحيث تعيش القصص. اكتشف الآن